16‏/3‏/2017

المروحية القتالية المتخصصة التي صممت لتلبية حاجات حرب فيتنام .

مهــدت لظهــور المروحيــة الهجوميــة AH-1G Cobra
المروحيــة القتاليــة المتخصصــة التــي صممــت لتلبيــة حاجــات حــرب فيتنــام
 
على الرغم من المحاولات الأولية لاستخدام المروحيات في أجواء مسارح القتال ، إلا أن المروحية القتالية المتخصصة لم تبرز سوى لتلبية حاجات الحرب الفيتنامية (1965-1972) . فبعد تدخل القوات الأمريكية المتزايد في فيتنام ، أصبح من الواضح للقادة العسكريين الأمريكان ، أن طائرات نقل الجنود المروحية المتواجدة لديهم هي أحوج ما تكون إلى أسلحة دفاعية ، تؤمن التغطية النارية الفعالة والمطلوبة ضمن محيط منطقة الإنزال ، ووصول القوات المحمولة جواً إلى الأرض . بمعنى الحاجة لمدفعية جوية لتوفير نيران إخماد fire suppression ودعم أرضي قريب للقوات الصديقة في ساحة المعركة . تطور الجهد الأمريكي بعد ذلك لاستخدام المروحية UH-1B Huey المعدة أصلاً لنقل فصيل مؤلف من ثمانية جنود ، في عمليات التغطية النارية ، حيث استبدلت حمولتها من الجنود بالأسلحة اللازمة لتحييد الدفاعات الأرضية المعادية . لقد ارتكزت هذه التعديلات على المدفع الرشاش نوع M-60 عيار 7.62 ملم ، والصواريخ غير الموجهة مطوية الزعانف عيار 70 ملم ، المثبتة على دعامات متوازية مع هيكل الطائرة . وعندما أخذت تظهر في مرحلة لاحقة من صفحات هذه الحرب بعض التشكيلات المدرعة المعادية إلى الوجود ، تم تطوير المروحية UH-1B للقيام بدور مقاتلة  الدروع ، حيث شحنت القوات الأمريكية ستة مروحيات من هذا الطراز وهي مسلحة بصواريخ فرنسية من طراز SS-11 (التسمية الأمريكية للصاروخ AGM/MGM-22) لمواجهة دبابات جيش فيتنام الشمالي والأهداف الصعبة الأخرى كالدشم والتحصينات . سجلت صواريخ SS-11 أول عملية قتل لها تجاه دبابة معادية من نوع T-54 بتاريخ 21 مايو 1972 ، ثم دمرت بعدها بيوم ناقلة مدرعة من طراز PT-76 . لقد فرضت عيوب التوجيه لصواريخ SS-11 (من مجموع 115 صاروخ أطلق في العام 1972 ، تم تسجيل حالتي قتل فقط لأهداف مدرعة !!) والحاجة لتطوير منظومة تصويب جيروسكوبية مستقرة gyro-stabilized غالية الثمن لصالح هذه المقذوفات ، فرضت على الجانب الأمريكي البدء في تطوير منظومات الجيل الثاني الصاروخية المضادة للدروع ، والتي كانت باكورتها الصاروخ الموجه سلكياً XM26 TOW . وبالتزامن مع عمليات تطوير الصاروخ TOW ، حرصت شركة "هيوز" Hughes على تطوير منظومة تصويب للسلاح تكون مرتبطة بالمروحية ، واشتملت هذه على منظار رؤية مدمج معها نظام تصوير حراري thermal-imaging . نظام الرؤية النهارية كان كامل الاستقرار fully stabilized للتعويض عن رجرجة واهتزازات المروحية أثناء الاشتباك بالصواريخ الموجهة . أما منظار التصوير الليلي فقد سمح بمهاجمة الأهداف المدرعة في ساعات الظلام الحالك ، بالتحسس السلبي للإشعاعات تحت الحمراء الصادرة على محركات العربات المدرعة أو المصادر الأخرى . هذه المنظومة ثبتت أولاً على المروحية UH-1B في العام 1966 بغرض الاختبار ، ثم ما لبثت أن عرضت في ألمانيا العام 1971 بشكل تجهيز متكامل لصالح قوات حلفاء الولايات المتحدة في منظمة حلف شمال الأطلسي NATO .  
دخلت أولى المروحيات UH-1B المجهزة بصواريخ TOW المعركة بتاريخ 2 مايو من العام 1972 ، عندما أخذت القوات الأمريكية وحليفتها الفيتنامية الجنوبية في صباح ذلك اليوم بالتقهقر باتجاه "كونتوم" Kontum تحت ضغط قوات فيتنام الشمالية والقوات الشيوعية Vietcong في هجوم عيد الفصح ، عندما تم أسر أحد قيادي هذه القوات وعثر بحوزته على وثيقة سرية تحذر رفاقه من سلاح أمريكي جديد يسبب "لكمة شديدة" . التحذير قصد إنذار القوات الفيتنامية الشمالية من خطر سلاح "همس الموت" Whispering Death وهو الاسم الافتراضي للصاروخ الأمريكي الموجه سلكياً المضاد للدروع TOW ، الذي جهزت به المروحيات الهجومية UH-1 . الصاروخ كان يمتلك في نسخته الأولى مدى أدني يبلغ نحو 500 م ، ومدي أقصى فعال يبلغ 3000 م ، بحيث كان قادراً على بلوغ مداه الأقصى خلال 15 ثانية . كان دور الرامي منحصر في إبقاء الشعيرات المتقاطعة لنظام التصويب على الهدف المنشود لضمان وتأكيد إصابته . النظام كان يمتلك قدرات نهارية فقط وفي ظروف الرؤية الجيدة . ويتحدث الطيار الأمريكي "شابمان" Chapman عن تجربته الأولى مع الصاروخ TOW فيقول : بعد أن شاهدنا الدبابة المعادية أمامنا ، قمنا بعمل مناورة سريعة وعدنا أدراجنا لتوفير أقصي مدى إطلاق النار ممكن من أجل الأمان ، ثم قمنا بعد ذلك بإطلاق الصاروخ TOW ، ولا أزال أتذكر صوت صفير زعانف الصاروخ بعد الإطلاق ، وما هي إلا لحظات حتى اصطدم مقذوفنا بالهدف واشتعلت به النيران . لقد استطاعت مروحيات UH-1B في هذه المعركة تدمير أربعة دبابات خفيفة من نوع M41A3 تابعة لجيش فيتنام الشمالي ، وشاحنة حمولة طنان ونصف بالإضافة لمدفع هاوتزر من عيار 155 ملم . لقد أطلقت الصواريخ من مسافة 2700 م وضربت أهدافها بدقة . مدفعي الطائرة التي قادت الهجوم "كارول لين" Carroll W. Lain يتذكر أيضاً ما حدث فيقول : يبدو أن طاقم الدبابة الشمالية الأولى فوجئ بظهور المروحية UH-1B عند خط الأفق ، فحرصت على وضع الدبابة في منظار التصويب من طراز XM26 وأطلقت الصاروخ TOW ، ليصيب هذا هدفه ويحدث انفجار كبير بعد ذلك في الدبابة المعادية ، ويسجل معها أول عملية تدمير لدبابة معركة بواسطة صاروخ موجه مضاد للدروع مطلق من قبل مروحية . بعدها بأيام معدودة ضربت المروحيات الأمريكية ثلاثة عربات مدرعة شمالية نوع PT-76 من مسافة 2000-3000 م ودمرتها . لقد بلغ إجمالي ما تم إطلاقه في شهرين لاحقين لعملية كونتوم من المروحيات عدد 81 صاروخ TOW ، محققة 26 عملية قتل مؤكدة ضد الدبابات ، وعدد 33 ضد أهداف أخرى (ناقلات جنود مدرعة ، شاحنات عسكرية ، مراكب ، جسور ، مخابئ) . وعند استخدامها ضد الدبابات تحديداً ، كان متوسط دقة الإصابة بالنسبة للمروحيات هو معدل صاروخين لكل هدف (في دراسة لاحقة للدروس المستفادة من الحرب ، قدرت هذه أن دقة وفاعلية الصاروخ TOW كانت تتجاوز تلك الخاصة بالصاروخ SS-11 بنحو خمسة أضعاف) .   
ومع ذلك لم تكن هذه التعديلات لتطيل حياة المروحية UH-1B المحورة ، إذ ترتب على عملية تسليحها انخفاض في سرعتها ، نتيجة زيادة قوة الجر الهوائي على كل من المدافع وحاويات القذائف الصاروخية والأسلحة المثبتة خارج هيكلها ، مما جعلها تجد صعوبة كبيرة في اللحاق بالتشكيل الجوي الذي كانت تقوم بحمايته . هذا بالإضافة إلى كبر المقطع الأمامي لمقدمة الطائرة ، وقابلية مناورات المحدودة جعلت منها هدفاً سهلاً للنيران الأرضية . وقد شخصت بعض الشركات الأمريكية المنتجة للطائرات المروحية هذه المشكلة عام 1962 ، وأخذت إحداها وهي شركة Bell تستثمر المال في صناعة مروحية هجومية مسلحة تسليحاً ثقيلاً ، قادرة على ملاحقة ومجاراة مروحيات النقل والإنزال ، وتأمين مناطق الإنزال دون الحاجة لدعم نيران المدفعية الصديقة أو القوات الأرضية . كان تصميمها يمتاز عن التصاميم التقليدية القديمة المتواجدة في الخدمة آنذاك بأنها ذات مقعدين مترادفين في كابينة القيادة tandem seat (استفاد التصميم من تصميم سابق لشركة Bell أطلق عليه D 255 Iroquois Warrior) حيث يجلس الطيار خلف موجه الأسلحة في موضع أكثر ارتفاعاً منه . لقد وفر هذا التصميم مدى رؤية شاملة لكليهما ، بالإضافة إلى أنه وفر للمروحية إمكانية حمل أكبر عدد ممكن من الأسلحة والعتاد ، وذلك بعد إلغاء المقاعد الإضافية الموجودة في التصاميم السابقة . وروعي في التصميم الجديد تقليل مساحة المرتسم الأمامي لمقدمة الطائرة ، الذي أصبح انسيابي الشكل ، ووفر للطائرة كفاءة أعلى وخواص طيران ومناورة أفضل ، بالإضافة إلى أنه قلل من احتمال تعرضها للنيران المعادية ، كما تم تزويدها بدوار مروحة رئيس مكون من شفرتين بالإضافة لدوار الذيل . الطائرة جهزت كذلك ببرج ذاتي الحركة أسفل المقدمة لمدفع رشاش ، وجناحين قصيرين جانبيين لحمل الصواريخ الموجهة المضادة للدروع وقاذفات القنابل اليدوية وحاويات الصواريخ غير الموجهة . أثبتت هذه الطائرة الجديدة التي أطلق عليها AH-1G Cobra وجهة نظر الشركة المنتجة ، التي التزمت فلسفة التصميم الخاص المتكامل لطائرة هجومية حديثة ، وتم إنتاج أول طائرة بفترة زمنية قصيرة ، حيث تم التحليق بها في 7 سبتمبر العام 1965 ، ودخلت الخدمة في شهر مايو العام 1967 .
وصلت المروحية "كوبرا" Cobra إلى مسرح الحرب الفيتنامية في شهر سبتمبر من العام 1967 ، ولعبت دوراً مهماً لسنوات عدة في مواجهة قوات التمرد الشيوعية أو الفيتكونغ Vietcong والقوات الفيتنامية الشمالية ، حيث سلحت ابتداء بمدفع دوار عيار 7.62 ملم وبحاضنتي قذائف عيار 40 ملم . ومع تزايد فاعلية النيران الأرضية المعادية استبدل المدفع الرشاش بآخر أكثر قوة ثلاثي السبطانة M-197 عيار 20 ملم بالإضافة لصواريخ مضادة للدروع من طراز TOW . لقد شكلت هذه المروحيات فرق صيد قاتلة hunter killer teams بالتنسيق والتعاون مع مروحيات OH-6A scout الاستكشافية ، إذ تولت هذه الأخيرة الطيران بسرعة منخفضة وعلى مستوى واطئ لإيجاد الأهداف المدرعة المعادية ، ثم يأتي بعد ذلك دور المروحيات كوبرا للهجوم والمشاغلة . ومن ضمن نحو 1.116 مروحية AH-1 Cobra تم تصنيعها لصالح الجيش الأمريكي وسلاح البحرية (نسخة البحرية الأمريكية يطلق عليها AH-1J Sea cobra) بين الأعوام 1967 وحتى 1973 تم فقدان 300 وحدة منها في معارك فيتنام .

هناك تعليق واحد:

  1. سوف يكون هناك تركيز كبير جداً على المروحيــة القتاليــة في الحروب القادمة اكبر مما مضى...
    تحياتي أخ انور....

    ردحذف