23‏/9‏/2012

دبابة المعركة الرئيسة .. قابليات الحركة .

دبابـة المعركـــة الرئيســـة .. قابليـــات الحركـــة


لو أجرينا تقييماً للحركة والسرعة على نفس الأرض بين دبابة M4 Sherman وهي من دبابات الحرب العالمية الثانية ودبابة حديثة من طراز M1 Abrams ، لوجدنا أن الأخيرة أكثر سرعة وأرجح في المناورة وأفضل من ناحية التعجيل والتسارع acceleration ، على الرغم من أنها أثقل وزناً وأكبر حجما (من ناحية الطول والعرض) . فمنذ ما يقارب 20 عاماً مضت ،  أدرجت مواصفات الحركة mobility بقائمة متنوعة حسب الأهمية ، وتناولت هذه القائمة (1) الوزن الكلي (2) القدرة القصوى للمحرك (3) أقصى سرعة على الطريق (4) وأبعاد الموانع والعقبات الممكن عبورها . وخلال السنوات الأولى من تاريخها خصصت الدبابة لمرافقة المشاة ، وهذا يعني أن فكرة "السرعة" speed كانت أمراً ثانوياً ، حيث جرى البحث آنذاك عن عربة لا توقفها الموانع العمودية vertical obstacles (الطبيعية منها والصناعية) ، وكان الجنزير أفضل وسيلة لمعالجة هذه المشكلة . مع ذلك ، الأستخدام اللاحق للدبابة أظهر أنه يمكن للتضاريس المتعرجة والأرض الوعرة أن تحدد وتقيد سرعة هذا السلاح عملياً من خلال الإجهاد المنصب على منظومة التعليق suspension والطاقم crew . لذا ، إنجاز كبير في هذه الجزئية أمكن تحقيقه أثناء الحرب العالمية الثانية عندما طورت أنظمة تعليق محسنة ، سمحت بالأداء المحسن والعبور خلال التضاريس الوعرة مع قابلية نسبية لاطلاق النار عند الحركة . أنظمة تعليق مبكرة مثل "كرستي" Christie (نسبة لمصممها المهندس الأمريكي والتر كرستي ، حيث سمحت هذه الأنظمة للدبابات الخفيفة بالسير بشكل أسرع في المناطق الوعرة مقارنة من نظام النوابض الصفيحية التقليدي . النظام قدم أولاً على العربة غير المجنزة التي صممها بنفسه M1928 ، وإستخدم بعد ذلك على كل تصاميمه حتى موته في العام 1944) ، أو أنظمة لاحقة مثل التعليق بعمود أو قضيب الالتواء torsion-bar التي طورت من قبل "فيردناند بوشي" Ferdinand Porsche وحسنت أداء الدبابة على التنقل عبر التضاريس الوعرة بشكل مثير ، وقابلية الحركة بشكل عام . إن جداراً عمودياً ارتفاعه متراً واحداً ، وحفرة عمقها ثلاثة أمتار ، ومنحدراً مستوى ميل 60 درجة ، وأرضاً موحلة أو رملية ، لا يمكنها أن توقف تقدم دبابة معركة الرئيسة .


خلال الحرب العالمية الثانية ظهر مصطلح الدبابات البرمائية Amphibious tanks ، وهي عربات جيدة التسليح والتدريع مصممة خصيصاً أو مكيفة لعمليات عبور المجاري المائية . هذا النوع من الدبابات نادر الوجود الآن في الجيوشِ الحديثة ، إذ استبدل المفهوم بالعربات الهجومية أو ناقلات الجنود المدرعة البرمائية المصنعة حسب الطلب . في الوقت الحالي فأن عمق العبور المثالي لدبابة المعركة الرئيسة يبلغ تقريباً متر واحد ، وهذا ما يحدده ارتفاع فوهة منفذ الهواء للمحرك air intake وموقع السائق . مع ذلك دبابات أخرى الحديثة أمثال الأمريكية Abrams والألمانية Leopard II والروسية T-90 تمتلك القدرة على عبور مجاري المياه والأنهار الضحلة حتى عمق 4-5 م وذلك بمعداتها الخاصة (هذه الدبابات تستخدم أنبوب للتنفس تحت الماء يطلق عليه snorkel لتوفير الهواء للمحرك والطاقم) وهذا يقلل بطبيعة الحال وبصورة ملموسة من الموانع والحواجز obstacles التي يصعب عبورها . إن أطقم الدبابات عادة ما يكون لديهم رد فعل أو تفاعل سلبي تجاه عبور المجاري العميقة ، لكن هذا الاجراء في الواقع يضيف فرصة كبيرة لعنصر المفاجأة والمرونة التكتيكية tactical flexibility خلال عمليات عبور المياه ، وذلك بإنشاء وتأسيس طرق جديدة وغير متوقعة من مواضع الهجوم .


دبابات المعركة الحالية تمتلك قابلية حركة عالية جداً وهي قادرة على عبور معظم التضاريس الأرضية بسبب منظومة الجنازير الحلقية المتصلة وأنظمة التعليق المتقدمة . تعمل الجنازير tracks على تفريق وتشتيت وزن العربة على منطقة كبيرة ، مما يؤدي إلى تخفيض الضغط على الأرض . وحالياً يمكن لأي دبابة حديثة أن تسير بسرعة تقريباً 40 كلم/س عبر تضاريس مستوية ومنبسطة flat terrain وبحدود 70 كلم/س على الطرق المعبدة . وهنا يتوجب الأخذ بنظر الاعتبار قضايا تسليم وتوصيل الوقود وكذلك صيانة الدبابة ، فالقيادة بالسرعات القصوى ولمسافات طويلة يمكن أن تتسبب مع الزمن في الاجهاد والأعطال الميكانيكية mechanical failure لكل من أنظمة نقل الحركة والمحرك وكذلك منظومة الجنازير . لذلك يرجح على الدوام توافر ناقلات الدبابات ذات العجلات ، وخطوط السكك الحديدية لنقل الدبابات لمسافات البعيدة . في الحقيقة فكرة السرعة لم تأخذ أهميتها حتى الحرب العالمية الثانية ، نتيجة إستراتجية "الحرب الخاطفة" Blitzkrieg التي انتهجتها القوات الألمانية ابتداء لإخضاع خصومها ، واعتمدت بشكل رئيس على قدرة القوات المدرعة على المناورة manoeuvre والمراوغة لتحقيق أهدافها . وتدرجت السرعة من ذلك الوقتإلى نحو 50-60 كلم/س كحد أقصى لدبابات حقبة الخمسينات ، حتى وصلت إلى أكثر من 70 كلم/س بالنسبة للدبابات الحديثة في عصرنا الحالي (أغلب عمليات الحرب الخاطفة التي أنجزت على طرق فرنسا تحديداً أجريت بسرعة خطوات المشاة ، أو نحو 5 كلم/س) . إن السرعة أو الخفة هي واحدة من أهم مواصفات الدبابة المعركة الحديثة رغم ثقل وزنها الذي يتجاوز 60-70 طناً . فهي تستطيع زيادة السرعة وتغيير الاتجاه والوقوف ، مما يساعدها على عبور مسافة 200 م في زمن يصل إلى 15 ثانية فقط ، وهذا يمثل كسباً يزيد بنسبة 20% قياساً بالجيل السابق . وعندما نعلم أن سياق الاشتباك مع دبابة أخرى معادية (الوقت اللازم للتحول والهجوم ابتداء من مرحلة الكشف وحتى إطلاق النار) يكون في حدود 12 ثانية ، فإنه يمكننا أن نستنتج أن خفة الحركة والرشاقة Tank agility هي أسلوب فعال من أساليب الوقاية العديدة لدبابة المعركة الرئيسة . مع ذلك فمن المفيد التوضيح أن العديد من التراكيب والهياكل الإنشائية مثل الجسور والكباري ليس لديها القدرة أو قابلية الحمل load capacity لدعم دبابة المعركة الرئيسة . وعند التقدم السريع في مراحل المعركة ، فإنه من الصعب في أغلب الأحيان اختبار ملكيات وقوة بناء هذه التراكيب . خلال احتلال العراق العام 2003 ، دبابة M1 Abrams كانت تحاول عبور أحد الجسور لتجنب النيران المعادية ، سقطت في نهر الفرات عندما انهار الجسر فجأة .


دبابات اليوم مجهزة عادة بمحركات بقوة 1,200-1,500 حصان (سعة المحرك هنا أكثر من 25,000 سم/مكعب) ، مع مدى تشغيلي لنحو 500 كلم . وتحققت الكثير من التطورات الأخرى نتيجة التحسينات التي أدخلت على المحركات ، كاستخدام التوربينات الغازية gas-turbine أو استخدام تقنيات فرط التغذية العالية لمحركات الديزل . إن المحرك التوربيني الغازي يعطي للمصمم فرصاً أكثر قياساً بالمحرك المكبسي التقليدي ، والدبابة الأمريكية M1 التي تستخدم محركاً توربيناً غازياً من طراز Avro ، يولد قوة حصانيه مقدارها 1500 حصان ، هي أول دبابة في الخدمة تستخدم محركاً توربينياً بالكامل للقوة . ويدور جدول مستمر بين مؤيد ومعارضي المركبات التي تعمل محركاتها بالديزل diesel engines ، وبين تلك التي تعمل بالتوربينات الغازية gas turbines . فالأولى يمكن الاعتماد عليها وهي اقتصادية ، إلا أنها ثقيلة وضخمة الحجم ، في حين أن الأخيرة صغيرة الحجم ، وتعطي نسبة عالية من القوة قياساً بالوزن ، كما أنها تحتوى على أجزاء متحركة أقل وهي أيضاً اقتصادية نسبياً عندما تعمل بكامل قوتها . إلا أنها عندما تعمل من وضع السكون ، فإن استهلاكها للوقود يكون مرتفعاً جداً وتكون شرهة للوقود fuel-hungry ، والدبابات تمضي أوقات طويلة وهي ساكنة ، يضاف إلى ذلك ارتفاع كلف بناء مثل هذه المحركات ، كما أنه في حالة الدبابة M1 Abrams فقد ظهرت مشاكل جدية تتعلق بترشيح الهواء ومدى الاعتماد على المحرك . وبما أن القوة المضافة لكل وحدة وزن per unit weight لمحرك الديزل التقليدي يمكن أن تنتج عنها قوة هائلة (تصل هذه القوة في الدبابة الألمانية Leopard 2 على سبيل المثال 1500 حصان) لذا يبدو من المحتمل أن أغلب مصممي الدبابات سوف يستمرون في اختيار محركات الديزل لدباباتهم ، بشرط أن تنتج نسباً مرضية من القوة قياساً بالوزن ، وتبلغ هذه الآن أكثر من 25 حصان بريطاني للطن الواحد .


لقد تأثرت الحركة أيضا بتصميم الدبابة العام ، فالحماية الجبهوية الضرورية والمدفع المركز سطحياً ، نتج عنه تمركز الثقل في مقدمة الدبابة ، في حين أن مركز الثقل يجب أن يقع في الوسط كلما أمكن ذلك . أن مثل هذه الوضعية قد تؤثر على قيادة الدبابة ، كما قد تعرض مقدمة الدبابة لخطر الاصطدام بالأرض أثناء الحركة . لقد تم تجاوز هذا الأمر بسحب مركز دوران المدافع في بدن الدبابة ووضع بكرة إرجاع الجنزير إلى الإمام أكثر باتجاه المقدمة ، التي بدورها قدمت ودفعت نقطة اتصال الجنازير باتجاه مقدمة الدبابة أكثر .. حركية الدبابة أيضا تتأثر بتصميم الجنازير tracks ونظام التعليق suspension . فالجنازير العريضة تعطي ضغوطاًً أرضية منخفضة ، وبالتالي تعطي أداء جيد على الأراضي الرملية والموحلة (دبابة المعركة الرئيسة يمكن أن تصبح مشلولة ومعرقلة في الظروف الموحلة muddy conditions) وأغلب دبابات المعركة الرئيسة محددة بضغط أرضي يبلغ ما بين 0,8 كلغم إلى 1 كلغم/سم2 . إن تصميم الجنازير هو أيضاً مهم ومؤثر من ناحية تقليل عامل الاستهلاك والإتلاف للطرق المعبدة ، وقد ظهرت لتلافي ذلك جنازير حديثة مكسوة بالمطاط ذات وسائد ناعمة الحركة يمكن تجديدها . ويبدو حالياً عدم وجود مجال كبير للقيام بتحسينات إضافية . وتحمل وحدات الدبابات كميات إضافية من فقرات (حلقات) الجنازير إلى ساحة المعركة ، تلافياً لما يستهلك أو يتلف منها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق